الأرشيفات الشهرية: أبريل 2015

كيف تصبح سوسيولوجياً للعموم وتظل مغموراً

في عام 2000 انتقلتُ من نيويورك إلى لندن. كانت المظاهرات في مدينة سياتل ضد منظمة التجارة العالمية قد انطلقت لتوها، وكانت حركات اجتماعية مشابهة تبرز في أنحاء العالم. لعبتُ دوراً صغيراً في هذه « الحركة من أجل عولمة مختلفة ». في لندن شاركت في تأسيس مجموعة ناشطين كانت منتمية إلى الشبكة الدولية أتاك (ATTAC) ولم تدم طويلاً. لقد نشأت أتاك في عام 1998 في فرنسا، وعارضت النيوليبرالية الاقتصادية وساندت سياسات تهدف إلى الحد من قوة الأسواق المالية العالمية. أتحدث الفرنسية وأعرف الحياة الفكرية الفرنسية جيداً، فحاولت أن أتوسط بين الناشطين البريطانيين والفرنسيين. وكان لي دور صغير أيضاً في المنتدى الاجتماعي الأوروبي، وهو أحد الفروع الإقليمية للمنتدى الاجتماعي العالمي، الذي شاركت أتاك في تأسيسه.

قبل ظهور الأدوات المجانية والسهلة الاستخدام للتعاون عبر الإنترنت، مثل مجموعات گوگل، استعنت مع أحد أصدقائي بخبرتنا في تطوير البرمجيات وفي حركة البرمجيات الحرة لنعدّ أدوات من هذا القبيل لأتاك والمنتدى الاجتماعي الأوروبي. أردنا أن تتم صناعة القرار لا في الاجتماعات (التي رأينا أنها إقصائية بطبيعتها وتؤدي إلى « اجتماعقراطية » يسيطر عليها من لهم الوقت والمال الكافيان للحضور)، بل في فضاءات شفافة ومفتوحة على الشبكة. نشرنا بياناً لمجموعات الناشطين والمتطوعين سميناه منظمات مفتوحة. ربما كانت هذه بداية ابتعادي عن النشاط السياسي واقترابي من التفكير السوسيولوجي في الحركات الاجتماعية.

في عام 2002 قلت لبيرنار كاسان (Bernard Cassen)، أحد مؤسسي أتاك، إني خشيت أن تستنفد « الحرب على الإرهاب » طاقة اليسار فتعرقل الحركة من أجل عولمة مختلفة. قال إن ذلك بعيد الاحتمال في رأيه. بيد أني أصبحت مثالاً على تنبئي. في فبراير / شباط 2003، عندما تظاهرت في لندن ضد غزو العراق، كنت قد ابتعدت عن أتاك.  لاحظت عندئذ أن قليلاً جداً من الناشطين في الأوساط التي أعرفها في لندن يتحدثون العربية أو يعرفون الكثير عن العالم العربي. في نفس السنة بدأت أتعلم العربية، وفي عام 2005 تركت وظيفتي وانتقلت إلى مصر لأتفرغ لدراسة اللغة.

كانت مصر وما زالت دولة سلطوية، ولكن الأجانب كانوا يعيشون ويدرسون ويقومون بأبحاث هناك بسهولة وأمان وبتكلفة قليلة آنذاك. بينما تعلمت اللغة ازداد اهتمامي بالمثقفين وبتاريخ الأفكار في مصر، فعدت إلى لندن في عام 2007 لتحضير الماجستير والدكتوراه في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية. كنت قد اقتنعت بأنه يكاد يستحيل فهم أي شيء عن الإنتاج الثقافي منذ القرن التاسع عشر، في مصر أو في غيرها من البلاد، دون تحليل جيد للقومية. كنت غير مقتنع بالنظريات السائدة للقومية، فبدأت أبحث عن إطار نظري مناسب. بعد استعراض أنواع النظرية الاجتماعية الأكثر استخداماً أخذت أبني تحليلاً للقومية من خلال تكييف الإطار غير المعروف الذي اقترحه بيير بورديو (Pierre Bourdieu) لتحليل الدين (والذي كان أصل نظريته للحقول). نشرتُ محاولتي الأولى لشرح هذه الفكرة في  المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط » وهي الأعلى مكانة في هذا المجال، حيث لا تزال محاولتي مغمورة. في رسالتي للدكتوراه (التي عدت من أجلها إلى مصر لمدة سنة) اتّخذت نهجاً أكثر طموحاً، مستخدماً مصادر عربية من مؤلفات أدبية وتاريخية يرجع تاريخ أولاها إلى القرن الثالث الهجري، وجامعاً بين نظرية الحقول واللغويات المعرفية، لرسم تاريخ لإنتاج المفاهيم القومية في اللغة العربية. قابل باحثون آخرون هذا النهج بكثير من الشك، كما اكتشفت عندما قدمت مقالات مبنية عليه إلى مجلات علمية أو قدمت عروضاً عنه في مؤتمرات.

كنت قد حصلت على الدكتوراه في أحد مجالات دراسات المناطق، في جامعة لا تحتل أحد المراكز الأولى في تنصيفات أفضل الجامعات في العالم، وأعددت رسالة تتناول الوطنية المصرية  وتستند إلى السوسيولوجيا والأدب واللغويات المعرفية (التي هي فرع غير تقليدي من فروع اللغويات)، وتأتي هذه الرسالة بحجج لا يرحب بها الباحثون في الغالب، فليس من المدهش أن يكون حصولي على وظيفة أكاديمية شبه مستحيل. بدا أن البعد السوسيولوجي لأبحاثي لا ينسجم مع مجال دراسات الشرق الأوسط، ولكن لا يمكن العمل كسويسولوجي دون دكتوراه في علم الاجتماع. وعلى أي حال فإني اكتشفت أن علم الاجتماع منقسم وفقاً للقومية المنهجية، فالسوسيولوجيون الأمريكيون يعتبرون أنفسهم مناصري شيء يسمونه « السوسيولوجيا الأمريكية »، بينما السوسيولوجيون البريطانيون والفرنسيون يسعون وراء أوهام مماثلة. وتتم الأبحاث عن القومية ذاتها في مجال مهمّش يسمى « دراسات القومية »، مع أنه ينبغي أن تكون القومية شغلاً شاغلاً لعلم الاجتماع، باعتبارها ظاهرة اجتماعية موجودة في كل مكان ولها تأثيرات كبيرة في كل أنحاء العالم، بما فيها تأثيرات على علم الاجتماع. ويسيطر القوميون على « دراسات القومية » بدلاً من منتقدي القومية مثلي. فرأيت أن الاحتمال ضئيل في أن أنشر أبحاثي إلا في مجلات دراسات المناطق، التي لا يقرأها السوسيولوجيون التقليديون.

كنت مدرساً زائراً ومديراً مشاركاً في مركز دراسات الشرق الأوسط في الجامعة الأمريكية بالقاهرة لمدة سنة، ثم باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة سنغافورة الوطنية. في سنغافورة كرّست حوالي نصف وقتي لتقديم طلبات عمل، وكان لكل وظيفة شاغرة مئات من مقدمي الطلبات. لا شك أن هذه التجربة شددت موقفي النقدي من الأكاديميا. كنت منبهراً بمفهوم بورديو للاستقلالية العلمية، ومتأثراً بالمناقشات حول سوسيولوجيا العموم التي كانت قد تلت نشر مقال مايكل بوراووي (Michael Burawoy) في عام 2005،‏ ففكّرت في هذه المفاهيم في ضوء تجاربي في النشاط السياسي وفي الأكاديميا، وصُغت عدة مبادئ أحاول ألّا أحيد عنها:

  1. الافتراضات القومية تضرّ باستقلالية علم الاجتماع. إذا رأيتَ أن السيوسيولوجيا منقسمة إلى فِرَق ككأس العالم، وأن مهمتك هي مساعدة فريقك في الفوز، فإنك تضع عراقيل أمام العلم.
  2. لا تتوقف الظواهر الاجتماعية عند الحدود الدولية، بشكل عام، أكثر مما يتوقف الطقس. إذا اعتقدتَ أنك تدرس « المجتمع المصري » فإنك قد عرّفتَ عملك بناءً على وهم. بالطبع، قد تكون دراسة الأوهام مثيرة للاهتمام أحياناً، كما في أبحاثي عن القومية، على شرط أن يقرّ الباحث بأنها أوهام بدلاً من أن يعتبرها أمراً مسلّماً به ويستخدمها كتصنيفات تحليلية.
  3. يمكن لعلم الاجتماع أن ينتج  أﻓﻜﺎراً ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺗﺼﻠﺢ ﻟﻜﻞ ﻣﻜﺎن في العالم، وينبغي أن يهدف إلى ذلك. ذات يوم، سألني أحد في مقابلة عمل عن سبب استخدامي أفكار منظّر أوروبي (بورديو) لتفسير أحداث في مصر. ألا ينبغي أن أستخدم نظرية عربية؟ استعنتُ بكل ما لديّ من لباقة فأجبت قائلاً إن الباحثين العرب يستخدمون نظريات ماركس وگرامشي وفوكو وبورديو إلخ، مثلهم في ذلك مثل كل الباحثين، وإنه ليس من المعقول، في رأيي، أن يحاول المرء وضع « نظرية عربية » لدراسة « المجتمع العربي »، أو « نظرية أمريكية » لدراسة « المجتمع الأمريكي ». وعلى سبيل المثال فالقومية ظاهرة عالمية لها سمات أساسية كثيرة توجد في جميع البلاد (بالإضافة إلى تفاوتات كثيرة بين القوميات المختلفة)، فلا قيمة لأي فهم نظري للقومية ما لم يصلح لتحليل أي قومية في أي مكان. (لم أحصل على الوظيفة.)
  4. عليك أن تكون مستعداً لدفع ثمن باهظ للاستقلالية.  رأى بورديو أن  علماً محرِّراً » يجب أن يكون علماً مستقلاً في المقام الأول، وأن هذا يجب أن يشمل الاستقلالية عن الأغراض السياسية. لا بد أن هذا من أقل الادعاءات شعبية في تاريخ علم الاجتماع. يبدو أن الكثير من الأبحاث تدّعي الشرعية، بشكل ضمني وإلى درجات مختلفة، بناءً على مواقف أخلاقية، مثل الانحياز للمضطهَدين، أو تأييد ما يعتبره الباحث المصلحة الوطنية، بدلاً من معايير علمية. وغالباً ما تُستخدم بعض التعبيرات، فيما يبدو، مثل « النيوليبرالية » و« الرأسمالية المتأخرة » و« الغرب »، للتلميح إلى أن البحث الذي ترد فيه بديل للنشاط السياسي أو امتداد له، وليس لأي قيمة نظرية قد تكمن في هذه التعبيرات. وفي الدراسات عن الحركات الاجتماعية، كثيراً ما تؤدي الرغبة في مدح « المقاومة » إلى تصوير الأحداث بطريقة رومانسية، بحيث يبدو كما لو كان « المتظاهرون » أو « الشعب » يسيرون حتماً نحو النصر، مثلما سارت البروليتاريا في أبحاث عصر سابق. هذا يفسّر جزئياً إحجام معظم الباحثين عن انتقاد القومية: سواء كانوا قوميين أم لا (ومعظمهم قوميون)، يشعرون أنه واجب عليهم أن يؤيدوا أي شيء مرتبط بـ« المقاومة » وعزيز على المضطهَدين، حتى لو أدى إلى الدكتاتورية العسكرية، والتعطش للحرب، والتطهير العرقي، والحملات الشعواء ضد من لا يمتثلون للإيديولوجيا السائدة، وكراهية الأجانب، وهلم جراً. السوسيولوجي الذي يأخذ حجة بورديو على محمل الجد يضع نفسه في موقف صعب: لا يتخلى فحسب عن ميزات الامتثال لتوقعات الأقران عند تقديم طلب عمل أو محاولة نشر مقال، بل من المحتمل أن ينفّر الجمهور غير المتخصص أيضاً.
  5. ينبغي أن تتيح للناس الذين تكتب عنهم فرصة الاطلاع على ما تكتبه. وإلا فإن البحث يشبه الثرثرة، أو الكلام عن الناس من وراء ظهورهم. الوصول الحر للمعلومات العلمية هو أقل ما يجب لتمكين غير المتخصصين من الاستفادة من بحثك بالإضافة إلى انتقاده. بعد أن نشرتُ مقالاً، عن طريق الوصول الحر، عن مجموعة ناشطين خاضت حملات لرفع درجة استقلالية الجامعات في مصر، تلقّيت ردود أفعال فورية من بعض المشاركين في البحث (وشعرت بالارتياح لأنها كانت إيجابية). ومع ذلك فإني أردت أن يكون المقال متاحاً لقراء في مصر لا يستطيعون أن يقرأوا الإنكليزية، فنشرت ترجمة عربية له في مجلة سوسيولوجية عربية. وكتبت تدوينات عنه بثلاث لغات.

ما هي نتيجة كل هذا في حالتي؟ الأرجح أنها لا شيء تقريباً. أعمل في وظيفة غير أكاديمية في جامعة فليس لديّ متّسع من الوقت للبحث أو الكتابة. أتوقع أن يتطلب مني تحويل رسالتي للدكتوراه إلى كتاب عدة سنوات. يبدو أني وجدت السبيل الأمثل إلى أن أصبح سوسيولوجياً للعموم وأظل مغموراً.

Share Button